عثمان بن جني ( ابن جني )

34

سر صناعة الإعراب

قوصّ زيد بما عليه ، أفلا ترى إلى زيادة المدّ فيهنّ بوقوع الهمزة والمدغم بعدهن ، وهنّ في كلا موضعيهنّ يسمّين حروفا كوامل ، فإذا جاز ذلك فليست تسمية الحركات حروفا صغارا بأبعد في القياس منه . ويدلك على أنّ الحركات أبعاض لهذه الحروف ، أنك متى أشبعت واحدة منهنّ حدث بعدها الحرف الذي هي بعضه ، وذلك نحو فتحة عين عمر ، فإنك إن أشبعتها حدثت بعدها ألف ، فقلت عامر ، وكذلك كسرة عين عنب ، إن أشبعتها نشأت بعدها ياء ساكنة ، وذلك قولك عينب ، وكذلك ضمة عين عمر ، لو أشبعتها لأنشأت بعدها واوا ساكنة ، وذلك قولك عومر ، فلو لا أن الحركات أبعاض لهذه الحروف وأوائل لها ، لما تنشأت عنها ، ولا كانت تابعة لها . ويزيد ذلك وضوحا لك ، أنّ جميع حروف المعجم غير هؤلاء الثلاثة الأحرف لك أن تأتي بكل حرف منها ، بعد أيّ الحركات شئت ، ولا تجد مع ذلك نبوّا " 1 " في اللفظ ، ولا استكراها ، سواكن كنّ الحروف أو متحركة . وذلك نحو اللام من سلم وسلم وسلمى ، وكذلك العين من سعد وسعد وسعلاة وسعاد وسعيد وسعود ، فأمّا استكراههم الخروج من كسر إلى ضمّ بناء لازما ، فليس ذلك شيئا راجعا إلى الحروف ، وإنما هو استثقال منهم للخروج من ثقيل إلى ما هو أثقل منه . وأنت لو رمت " 2 " أن تأتي بكسرة أو ضمة قبل الألف لم تستطع ذلك البتّة " 3 " ، وكذلك لو تكلّفت الكسرة قبل الواو الساكنة المفردة ، أو الضمة قبل الياء الساكنة المفردة ، لتجشّمت " 4 " فيه مشقّة ، وكلفة " 5 " لا تجدها مع الحروف الصّحاح ، وذلك نحو فعل من القول والطّول " 6 " ، وأصله أن تقول قول وطول ، ثم تستثقل ذلك ، فتقلب الواو إلى الكسرة قبلها ياء ، فتقول : قيل وطيل . وقد قالتهما العرب مقلوبين

--> ( 1 ) نبوّا : نبا الشيء : أي تجافى وتباعد وبابه سما . لسان العرب ( 6 / 4333 ) . مادة ( نبا ) . ( 2 ) رمت : طلبت ، رام الشيء أي طلبه وبابه قال . لسان ( 3 / 1782 ) . مادة ( ر . و . م ) . ( 3 ) لم تستطع ذلك البتة : أسلوب نفي وغرضه التعجيز . أي أنك تعجز عن ذلك . ( 4 ) لتجشمت : جشم الأمر من باب فهم ، أي تكلفته على مشقة . لسان العرب ( 1 / 629 ) . ( 5 ) كلفة : مشقة . لسان العرب ( 5 / 3917 ) . مادة ( ك . ل . ف ) . ( 6 ) الطول : الفضل والغنى واليسر . لسان العرب ( 4 / 2728 ) . مادة ( ط . و . ل ) .